فخر الدين الرازي
193
القضاء والقدر
لأجل أنهم أثبتوا القدر لأنفسهم ، ونحن نقول : القدرية هم المجبرة ، لأنهم أثبتوا القدر للّه . فعند هذا قلتم : إن تسمية من ثبت القدر لنفسه بالقدري ، أولى من تسمية من ثبت القدر لغيره بالقدري . وإذا كان الأمر كذلك . فاقبلوا هاهنا مثل هذا الكلام . وهو أن نقول : حمل قوله : « وأن تؤمن بالقدر خيره وشره » على إثبات القدر للنفس ، أولى من حمله على إثبات القدر للغير . وأيضا : فالأركان الثلاثة المتقدمة . وهي إثبات الربوبية ، وإثبات النبوة ، وإثبات المعاد ، لا تتم إلا بإثبات العبودية للعباد ، وذلك لا يتم إلا أن يكون تقدير الطاعات والمعاصي ، بحسب اختيار العباد . فلما ذكر الأركان الثلاثة ، ثم ذكر عقيبها قوله : « وأن تؤمن بالقدرة خيره وشره » وجب حمله على ما ذكرناه . سلمنا : ما ذكرتم ، لكن راوي هذا الخبر ، هو علي بن أبي طالب . والقول بالعدل متواتر عنه ، وعن أولاده . والراوي إذا خالف روايته ، أورث ذلك طعنا وضعفا في الرواية . واللّه أعلم . والجواب : أما حمل القدر على الكتابة في اللوح المحفوظ . فجوابه من وجهين : الأول : إن هذا باطل . لأن المسلمين أجمعوا على أن العلم بوجود اللوح المحفوظ ، وبأن اللّه تعالى أحدث فيه رقوما مخصوصة دالة على أحوال هذا العالم ، ليس من شرائط الإيمان ، ولا من واجباته . والخبر الذي ذكرناه يدل على أن الإيمان بالقدر من شرائط صحة الإيمان . وهذا ينتج من الشكل الثاني « 1 » : أنه ليس المراد من القدر المذكور في هذا الخبر هو الكتابة في اللوح المحفوظ . وأما حمل القدر على العلم واللسان ، فباطل أيضا . لأن ذلك البيان ، إما أن يكون بيانا للبشر ، وهو مفقود . أو للملائكة ، وهو أيضا باطل . لأن العلم بأن اللّه بيّن أحوال العباد للملائكة ليس من واجبات الإيمان . وإيمان بالقدر من واجبات الإيمان بحكم دلالة هذا الخبر . وذلك يدل على أنه ليس المراد من هذا القدر هو البيان .
--> ( 1 ) الشكل الثاني في المنطق الصوري هو أحد أشكال القياس . وهو ما يكون فيه الحد الأوسط محمولا في المقدمتين وصورته بالرموز : ك وص وص ك حيث الصاد تعني الحد الأصغر والواو الأوسط والكاف الأكبر . ومن شروطه أن تكون إحدى المقدمتين سالبة وأن تكون المقدمة الكبرى كلية . أما شكل القياس وفق الحجة التي ذكرها الرازي رحمه اللّه فهو التالي : ليس العلم بوجود الكتابة في اللوح المحفوظ من شرائط الإيمان . الإيمان بالقدر من شرائط صحة الإيمان . ( النتيجة ) ليس المراد من القدر الكتابة في اللوح المحفوظ .